حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
478
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الخامس : قوله الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وهو مرفوع على المدح أي هم الموفون ، أو عطف على مَنْ آمَنَ والمراد بالعهد ما أخذه اللّه من العهود على عباده بقولهم وعلى ألسنة رسله إليهم بالقيام بحدوده والعمل بطاعته ، فقبل العباد ذلك حيث آمنوا بالأنبياء والكتب . ويندرج فيه ما يلتزمه المكلف ابتداء من تلقاء نفسه مما يكون بينه وبين اللّه كالنذور والأيمان ، أو بينه وبين رسول اللّه كبيعة الرضوان بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن لا يقولوا إلا بالحق أينما كانوا لا يخافون في اللّه لومة لائم ، أو بينه وبين الناس واجبا كعقود المعاوضات ، أو مندوبا كالمواعيد ، فلهذا قال المفسرون هاهنا : هم الذين إذا واعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا ، وإذا اؤتمنوا أدّوا ، وإذا قالوا صدقوا . السادس : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وهو نصب على المدح والاختصاص إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال . قال أبو علي الفارسي : إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها ، لأن هذا الموضع من مواضع الإطناب في الوصف والإبلاغ في القبول ، فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان ، وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجها واحدا أو جملة واحدة . وذكر المحققون في إفادة اختلاف الحركة المدح والذم أن أصل المدح والذم من كلام السامع ، وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له : قام زيد . فربما أثنى السامع على زيد وقال : ذكرت واللّه الظريف وذكرت العاقل . أو هو - واللّه - الطريف ، أو هو العاقل . فأراد المتكلم أن يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب على ذلك أي أريد الظريف أو العاقل و الْبَأْساءِ الفقر والشدة وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة . وهما فعلاء من البؤس والضر لا أفعل لهما لأنهما ليسا بنعتين وَحِينَ الْبَأْسِ القتال في سبيل اللّه والجهاد . وأصل البأس الشدة أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في إيمانهم وجدّوا في الدين وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ونظير هاتين الجملتين في القطع للاستئناف قوله أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] كأنه قيل : ما للمستقلين بهذه الصفات وصفوا بالبر الذي هو أصل كل خير ؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين لهم قدم صدق في الإسلام ، وهم المتسمون بسمة التقوى . وكل منهم منطو على جميع الخيرات ومتضمن لكل المأمورات والمنهيات ، فلهذا اتصفوا بتلك الصفات . وذكر الواحدي هاهنا أن الواوان في هذه الأوصاف للجمع . فمن شرائط البر